كتاب المراقبة والمحاسبة — صفة الرؤية والنظر إلى وجه الله تبارك تعالى

الجزء 4، الصفحة 543

مخ ساقها من وراء تلك السبعين حلة قد طهر الله الأخلاق من السوء والأجساد من الموت لا يمتخطون فيها ولا يبولون ولا يتغوطون وإنما هو حبشاء ورشح مسك لهم رزقهم فيها بكرة وعشيا أما إنه ليس ليل يكر الغدو على الرواح والرواح على الغدو وإن آخر من يدخل الجنة وأدناهم منزلة ليمد له في بصره وملكه مسيرة مائة عام في قصور من الذهب والفضة وخيام اللؤلؤ ويفسح له في بصره حتى ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه يغدى عليهم بسبعين ألف صحفة من ذهب ويراح عليهم بمثلها في كل صحفة لون ليس في الأخرى مثله ويجد طعم آخره كما يجد طعم أوله وإن في الجنة لياقوتة فيها سبعون ألف دار في كل دار سبعون ألف بيت ليس فيها صدع ولا ثقب وقال مجاهد إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن يسير في ملكه ألف سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه وأرفعهم الذي ينظر إلى ربه بالغداة والعشي وقال سعيد ابن المسيب ليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة سوار من ذهب وسوار من لؤلؤ وسوار من فضة وقال أبو هريرة رضي الله عنه إن في الجنة حوراء يقال لها العيناء إذا مشت مشى عن يمينها ويسارها سبعون ألف وصيفة وهي تقول أين الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر وقال يحيى بن معاذ ترك الدنيا شديد وفوت الجنة أشد وترك الدنيا مهر الآخرة وقال أيضا في طلب الدنيا ذل النفوس وفي طلب الآخرة عز النفوس فيا عجبا لمن يختار المذلة في طلب ما يفنى ويترك العز في طلب ما يبقى صفة الرؤية والنظر إلى وجه الله تبارك تعالى قال الله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة وهذه الزيادة هي النظر إلى وجه الله تعالى وهي اللذة الكبرى التي ينسى فيها نعيم أهل الجنة وقد ذكرناه حقيقتها في كتاب المحبة وقد شهد لها الكتاب والسنة على خلاف ما يعتقده أهل البدعة قال جرير بن عبد الله البجلي كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى القمر ليلة البدر فقال إنكم ترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} وهو مخرج في الصحيحين وروى مسلم في الصحيح عن صهيب قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة {قال} إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه قالوا ما هذا الموعد ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيرفع الحجاب وينظرون إلى وجه الله عز وجل فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إليه وقد روى حديث الرؤيا جماعة من الصحابة وهذه هي غاية الحسنى ونهاية النعمى وكل ما فصلناه من التنعم عند هذه النعمة ينسى وليس لسرور أهل الجنة عند سعادة اللقاء منتهى بل لا نسبة لشىء من لذات الجنة إلى لذة اللقاء وقد أوجزنا في الكلام هنا لما فصلناه في كتاب المحبة والشوق والرضا فلا ينبغي أن تكون همة العبد من الجنة بشيء سوى لقاء المولى وأما سائر نعيم الجنة فإنه يشارك فيه البهيمة المسرحة في المرعى