كتاب الفقر والزهد — بيان تفضيل الزهد فيما هو من ضروريات الحياة

الجزء 4، الصفحة 233

يا رسول الله أنزل عليك هذا من الجنة تعجبا وكان قد أهداه إليه المقوقس ملك الإسكندرية فأراد أن يكرمه بلبسه ثم نزعه وأرسل به إلى رجل من المشركين وصله به ثم حرم لبس الحرير والديباج وكأنه إنما لبسه أولا تأكيدا للتحريم كما لبس خاتما من ذهب يوما ثم نزعه فحرم لبسه على الرجال وكما قال لعائشة في شأن بريرة اشترطي لأهلها الولاء فلما اشترطته صعد عليه السلام المنبر فحرمه وكما أباح المتعة ثلاثا ثم حرمها لتأكيد أمر النكاح وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خميصة لها علم فلما سلم قال شغلى النظر إلى هذه اذهبوا بها إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانيته يعنى كساءه فاختار لبس الكساء على الثوب الناعم وكان شراك نعله قد أخلق فأبدل بسير جديد فصلى فيه فلما سلم قال أعيدوا الشراك الخلق وانزعوا هذا الجديد فإني نظرت إليه في الصلاة ولبس خاتما من ذهب ونظر إليه على المنبر نظرة فرمي به فقال شغلى هذا عنكم نظرة إليه ونظرة إليكم وكان صلى الله عليه وسلم قد احتذى مرة نعلين جديدين فأعجبه حسنهما فخر ساجدا وقال أعجبني حسنهما فتواضعت لربي خشية أن يمقتني ثم خرج بهما فدفعهما إلى أول مسكين رآه وعن سنان بن سعد قال حيكت لرسول الله صلى الله عليه وسلم جبة من صوف أنمار وجعلت حاشيتها سوداء فلما لبسها قال انظروا ما أحسنها ما ألينها قال فقام إليه أعرابي فقال يا رسول الله هبها لي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سئل شيئا لم يبخل به قال فدفعها إليه وأمر أن يحاك له واحدة أخرى فمات صلى الله عليه وسلم وهي في المحاكة وعن جابر قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة رضي الله تعالى عنها وهي تطحن بالرحى وعليها كساء من وبر الإبل فلما نظر إليها بكى وقال يا فاطمة تجرعي مرارة الدنيا لنعيم الأبد فأنزل الله عليه {ولسوف يعطيك ربك فترضى} وقال صلى الله عليه وسلم إن من خيار أمتي فيما أنبأني الملأ الأعلى قوما يضحكون جهرا من سعة رحمه الله تعالى ويبكون سرا من خوف عذابه مؤنتهم على الناس خفيفة وعلى أنفسهم ثقيلة يلبسون الخلقان ويتبعون الرهبان أجسامهم في الأرض وأفئدتهم عند العرش فهذه كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الملابس وقد أوصى أمته عامة باتباعه إذ قال من أحبني فليستن بسنتي وقال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وقال تعالى {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها خاصة وقال إن أردت اللحوق بي فإياك ومجالسة الأغنياء ولا تنزعي ثوبا حتى ترقعيه وعد على قميص عمر رضي الله عنه اثنتا عشرة رقعة بعضها من أدم