كتاب الفقر والزهد — بيان تفضيل الزهد فيما هو من ضروريات الحياة

الجزء 4، الصفحة 234

واشترى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ثوبا بثلاثة دراهم ولبسه وهو في الخلافة وقطع كميه من الرسغين وقال الحمد لله الذي كساني هذا من رياشه وقال الثوري وغيره البس من الثياب مالا يشهرك عند العلماء ولا يحقرك عند الجهال وكان يقول إن الفقير ليمر بي وأنا أصلي فأدعه يجوز ويمر بي واحد من أبناء الدنيا وعليه هذه البزة فأمقته ولا أدعه يجوز وقال بعضهم قومت ثوبي سفيان ونعليه بدرهم وأربعة دوانق وقال ابن شبرمة خير ثيابي ما خدمني وشرها ما خدمته وقال بعض السلف البس من الثياب ما يخلطك بالسوقة ولا تلبس منها ما يشهرك فينظر إليك وقال أبو سليمان الداراني الثياب ثلاثة ثوب لله وهو ما يستر العورة وثوب للنفس وهو ما يطلب لينه وثوب للناس وهو ما يطلب جوهره وحسنه وقال بعضهم من رق ثوبه رق دينه وكان جمهور العلماء من التابعين قيمة ثيابهم ما بين العشرين إلى الثلاثين درهما وكان الخواص لا يلبس أكثر من قطعتين قميص ومتزر تحته وربما يعطف ذيل قميصه على رأسه وقال بعض السلف أول النسك الزي وفي الخبر البذاذة من الإيمان وفي الخبر من ترك ثوب جمال وهو يقدر عليه تواضعا لله تعالى وابتغاء لوجهه كان حقا على الله أن يدخر له من عبقري الجنة في تخات الياقوت وأوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه قل لأوليائي لا يلبسوا ملابس أعدائي ولا يدخلوا مداخل أعدائى فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي ونظر رافع بن خديج إلى بشر بن مروان على منبر الكوفة وهو يعظ فقال انظروا إلى أميركم يعظ الناس وعليه ثياب الفساق وكان عليه ثياب رقاق وجاء عبد الله بن عامر بن ربيعة إلى أبي ذر في بزته فجعل يتكلم في الزهد فوضع أبي ذر راحته على فيه وجعل يضرط به فغضب ابن عامر فشكاه إلى عمر فقال أنت صنعت بنفسك تتكلم في الزهد بين يديه بهذه البزة وقال علي كرم الله وجهه إن الله تعالى أخذ على أئمة الهدى أن يكونوا في مثل أدنى أحوال الناس ليقتدي بهم الغني ولا يزري بالفقير فقره ولما عوتب في خشونة لباسه قال هو أقرب إلى التواضع وأجدر أن يقتدي به المسلم ونهى صلى الله عليه وسلم عن التنعم وقال إن لله تعالى عبادا ليسوا بالمتنعمين ورؤي فضالة بن عبيد وهو والي مصر أشعث حافيا فقيل له أنت الأمير وتفعل هذا فقال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإرفاء وأمرنا أن نحتفي أحيانا وقال علي لعمر رضي الله عنهما إن أردت أن تلحق بصاحبيك فارفع القميص ونكس الإزار واخصف النعل وكل دون الشبع وقال عمر اخشوشنوا وإياكم وزي العجم كسرى وقيصر وقال علي كرم الله وجهه من تزيا بزي قوم فهو منهم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم يطلبون ألوان الطعام وألوان الثياب ويتشدقون في الكلام وقال صلى الله عليه وسلم أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين وما أسفل من ذلك ففي النار ولا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا وقال أبو سليمان الداراني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلبس الشعر من أمتي إلا مراء أو أحمق وقال الأوزاعي لباس الصوف في السفر سنة وفي الحضر بدعة ودخل محمد بن واسع