كتاب آفات اللسان

الجزء 3، الصفحة 161

يا عمر وأي ثناء يزيد على هذا ولكنه صلى الله عليه وسلم قال عن صدق وبصيرة وكانوا رضي الله عنهم أجل رتبة من أن يورثهم ذلك كبرا وعجبا وفتورا بل مدح الرجل نفسه قبيح لما فيه من الكبر والتفاخر إذا قال صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم ولا فخر أي لست أقول هذا تفاخرا كما يقصد الناس بالثناء على أنفسهم وذلك لأن افتخاره صلى الله عليه وسلم كان بالله وبالقرب من الله لا بولد آدم وتقدمه عليهم كما أن المقبول عند الملك قبولا عظيما إنما يفتخر بقبوله إياه وبه يفرح لا بتقدمه على بعض رعاياه وبتفصيل هذه الآفات تقدر على الجمع بين ذم المدح وبين الحث عليه قال صلى الله عليه وسلم وجبت لما أثنوا على بعض الموتى وقال مجاهد إن لبني آدم جلساء من الملائكة فإذا ذكر الرجل المسلم أخاه المسلم بخير قالت الملائكة ولك بمثله وإذا ذكره بسوء قالت الملائكة يا ابن آدم المستور عورتك أربع على نفسك واحمد الله الذي ستر عورتك فهذه آفات المدح بيان ما على الممدوح اعلم أن على الممدوح أن يكون شديد الاحتراز عن آفة الكبر والعجب وآفة الفتور ولا ينجو منه إلا بأن يعرف نفسه ويتأمل ما في خطر الخاتمة ودقائق الرياء وآفات الأعمال فإنه يعرف من نفسه ما لا يعرفه المادح ولو انكشف له جميع أسراره وما يجري على خواطره لكف المادح عن مدحه وعليه أن يظهر كراهة المدح بإذلال المادح قال صلى الله عليه وسلم احثوا التراب في وجوه المادحين وقال سفيان بن عيينة لا يضر المدح من عرف نفسه وأثنى على رجل من الصالحين فقال اللهم إن هؤلاء لا يعرفوني وأنت تعرفني وقال آخر لما أثنى عليه اللهم إن عبدك هذا تقرب إلي بمقتك وأنا أشهدك على مقته وقال علي رضي الله عنه لما أثنى عليه اللهم اغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون واجعلني خيرا مما يظنون وأثنى رجل على عمر رضي الله عنه فقال أتهلكني وتهلك نفسك وأثنى رجل على علي كرم الله وجهه في وجهه وكان قد بلغه أنه يقع فيه فقال أنا دون ما قلت وفوق ما في نفسك الآفة التاسعة عشر الغفلة عن دقائق الخطأ في فحوى الكلام لا سيما فيما يتعلق بالله وصفاته ويرتبط بأمور الدين فلا يقدر على تقويم اللفظ في أمور الدين إلا العلماء الفصحاء فمن قصر في علم أو فصاحة لم يخل كلامه عن الزلل لكن الله تعالى يعفو عنه لجهله مثاله ما قال حذيفة قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يقل أحدكم ما شاء الله وشئت ولكن ليقل ما شاء الله ثم شئت وذلك لأن في العطف المطلق تشريكا وتسوية وهو على خلاف الاحترام وقال ابن عباس رضي الله عنهما جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه في بعض الأمر فقال ما شاء الله وشئت فقال