كتاب آفات اللسان

الجزء 3، الصفحة 140

معك ضاغطا وقامت بذلك بين نسائها واشتكت عمر فلما بلغه ذلك دعا معاذا وقال بعثت معك ضاغطا قال لم أجد ما أعتذر به إليها إلا ذلك فضحك عمر رضي الله عنه وأعطاه شيئا فقال أرضها به ومعنى قوله ضاغطا يعني رقيبا وأراد به الله تعالى وكان النخعي لا يقول لابنته أشتري لك سكرا بل يقول أرأيت لو اشتريت لك سكرا فإنه ربما لا يتفق له ذلك وكان إبراهيم إذا طلبه من يكره أن يخرج إليه وهو في الدار قال للجارية قولي له أطلبه في المسجد ولا تقولي له ليس ههنا كيلا يكون كذبا وكان الشعبي إذا طلب في المنزل هو يكرهه خط دائرة وقال للجارية ضعي الأصبع فيها وقولي ليس ههنا وهذا كله في موضع الحاجة فأما في غير موضع الحاجة فلا لأن هذا تفهيم للكذب وإن لم يكن اللفظ كذبا فهو مكروه على الجملة كما روى عبد الله بن عتبة قال دخلت مع أبي على عمر بن عبد العزيز رحمه الله عليه فخرجت وعلى ثوب فجعل الناس يقولون هذا كساكه أمير المؤمنين فكنت أقول جزى الله أمير المؤمنين خيرا فقال لي أبي يا بني اتق الكذب وما أشبهه فنهاه عن ذلك لأن فيه تقريرا لهم عن ظن كاذب لأجل غرض المفاخرة وهذا غرض باطل لا فائدة فيه نعم المعاريض تباح لغرض خفيف كتطييب قلب الغير بالمزاح كقوله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة عجوز وقوله للأخرى الذي في عين زوجك بياض وللأخرى نحملك على ولد البعير وما أشبهه وأما الكذب الصريح كما فعله نعمان الأنصاري مع عثمان في قصة الضرير إذ قال له إنه نعيمان وكما يعتاده الناس من ملاعبة الحمقى بتغريرهم بأن امرأة قد رغبت في تزويجك فإن كان فيه ضرر يؤدي إلى إيذاء قلب فهو حرام وإن لم يكن إلا لمطايبته فلا يوصف صاحبها بالفسق ولكن ينقص ذلك من درجة إيمانه قال صلى الله عليه وسلم لا يكمل للمرء الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وحتى يجتنب الكذب في مزاحه وأما قوله صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليضحك بها الناس يهوى بها في النار أبعد من الثريا أراد به ما فيه غيبة مسلم أو إيذاء قلب دون محض المزاح ومن الكذب الذي لا يوجب الفسق ما جرت به العادة في المبالغة كقوله طلبتك كذا وكذا مرة وقلت لك كذا مائة مرة فإنه لا يريد به تفهيم المرات بعددها بل تفهيم المبالغة فإن لم يكن طلبه إلا مرة واحدة كان كاذبا وإن كان طلبه مرات لا يعتاد مثلها في الكثرة لا يأثم وإن لم تبلغ مائة وبينهما درجات يتعرض مطلق اللسان بالمبالغة فيها لخطر الكذب ومما يعتاد الكذب فيه ويتساهل به أن يقال كل الطعام فيقول لا أشتهيه وذلك منهى عنه وهو حرام وإن لم يكن فيه غرض صحيح قال مجاهد قالت أسماء بنت عميس كنت صاحبة عائشة في الليلة التي هيأتها وأدخلتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعي نسوة قالت فوالله ما وجدنا عنده قرى إلا قدحا من لبن فشرب ثم ناوله عائشة قالت فاستحيت الجارية فقلت لا تردي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم خذي منه قالت فأخذت منه على حياء فشربت منه ثم قال ناولي صواحبك فقلن لا نشتهيه فقال لا تجمعن جوعا وكذبا قالت فقلت يا رسول الله إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه لا أشتهيه أيعد ذلك كذبا قال