لولا أن هدانا الله ثم ينادي مناد تحيون فلا تموتون أبدا وتقيمون فلا تظعنون أبدا وتصحون فلا تمرضون أبدا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم آتي يوم القيامة باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن من أنت فأقول محمد فيقول بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك ثم تأمل الآن في غرف الجنة واختلاف درجات العلو فيها فإن الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا وكما أن بين الناس في الطاعات الظاهرة والأخلاق الباطنة المحمودة تفاوتا ظاهرا فكذلك فيما يجازون به تفاوت ظاهر فإن كنت تطلب أعلى الدرجات فاجتهد أن لا يسبقك أحد بطاعة الله تعالى فقد أمرك الله بالمسابقة والمنافسة فيها فقال تعالى {سابقوا إلى مغفرة من ربكم} وقال تعالى {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} والعجب أنه لو تقدم عليك أقرانك أو جيرانك بزيادة درهم أو بعلو بناء ثقل عليك ذلك وضاق به صدرك وتنغص بسبب الحسد عيشك وأحسن أحوالك أن تستقر في الجنة وأنت لا تسلم فيها من أقوام يسبقونك بلطائف لا توازيها الدنيا بحذافيرها فقد قال أبو سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف فوقهم كما تتراءون الكوكب الغائر في الأفق من المشرق إلى المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين وقال أيضا إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق من آفاق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما وقال جابر قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أحدثكم بغرف الجنة قال قلت بلى يا رسول الله صلى الله عليك بأبينا أنت وأمنا قال إن في الجنة غرفا من أصناف الجوهر كله يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها وفيها من النعيم واللذات والسرور ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قال يا رسول الله ولمن هذه الغرف قال لمن أفشى السلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام قال قلنا يا رسول الله ومن يطيق ذلك قال أمتي تطيق ذلك وسأخبركم عن ذلك من لقي أخاه فسلم عليه أو رد عليه فقد أفشى السلام ومن أطعم أهله وعياله من الطعام حتى يشبعهم فقد أطعم الطعام ومن صام شهر رمضان ومن كل شهر ثلاثة أيام فقد أدام الصيام ومن صلى العشاء الآخرة وصلى الغداة في جماعة فقد صلى بالليل والناس نيام يعني اليهود والنصارى والمجوس وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله {ومساكن طيبة في جنات عدن} قال قصور من لؤلؤ في كل قصر سبعون دارا من ياقوت أحمر في كل دارسبعون بيتا من زمرد أخضر في كل بيت سرير على كل سرير سبعون فراشا من كل لون على كل فراش زوجة من الحور العين في كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لونا من الطعام في كل بيت سبعون وصيفة ويعطى المؤمن في كل غداة يعني من القوة ما يأتي على ذلك أجمع
كتاب المراقبة والمحاسبة — القول في صفة الجنة وأصناف نعيمها
الجزء 4، الصفحة 537