كتاب المراقبة والمحاسبة — المقام الأول من المرابطة: المشارطة

الجزء 4، الصفحة 464

الدهية الثانية مشاهدة صورة ملك الموت ودخول الروع والخوف منه على القلب فلو رأى صورته التي يقبض عليها روح العبد المذنب أعظم الرجال قوة لم يطق رؤيته فقد روى عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنه قال لملك الموت هل تستطيع أن تريني صورتك التي تقبض عليها روح الفاجر قال لا تطيق ذلك قال بلى قال فأعرض عنى فأعرض عنه ثم التفت فإذا هو برجل أسود قائم الشعر منتن الريح أسود الثياب يخرج من فيه ومناخيره لهيب النار والدخان فغشى على إبراهيم عليه السلام ثم أفاق وقد عاد ملك الموت إلى صورته الأولى فقال ملك الموت لو لم يلق الفاجر عند الموت إلا صورة وجهك لكان حسبه وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إن داود عليه السلام كان رجلا غيورا وكان إذا خرج أغلق الأبواب فأغلق ذات يوم وخرج فأشرفت امرأته فإذا هي برجل في الدار فقالت من أدخل هذا الرجل لئن جاء داود ليلقين منه عناء فجاء داود فرآه فقال من أنت فقال أنا الذي لا أهاب الملوك ولا يمنع مني الحجاب فقال فأنت والله إذن ملك الموت وزمل داود عليه السلام مكانه وروي أن عيسى عليه السلام مر بجمجمة فضربها برجله فقال تكلمي بإذن الله فقالت يا روح الله أنا ملك زمان كذا وكذا بينا أنا جالس في ملكي على تاجي وحولي جنودي وحشمي على سرير ملكي إذ بدا لي ملك الموت فزال مني كل عضو على حياله ثم خرجت نفسي إليه فيا ليت ما كان من تلك الجموع كان فرقة وياليت ما كان من ذلك الأنس كان وحشة فهذه يلقاها العصاة ويكفاها المطيعون فقد حكى الأنبياء مجرد سكرة النزع دون الروعة التي يدركها من يشاهد صورة ملك الموت كذلك ولو رآها في منامه ليلة لتنغص عليه بقية عمره فكيف برؤيته في مثل تلك الحال وأما المطيع فإنه يراه في أحسن صورة وأجملها فقد روى عكرمة عن ابن عباس إن إبراهيم عليه السلام كان رجلا غيورا وكان له بيت يتعبد فيه فإذا خرج أغلقه فرجع ذات يوم فإذا برجل في جوف البيت فقال من أدخلك داري فقال أدخلنيها ربها فقال أنا ربها فقال أدخلنيها من هو أملك بها مني ومنك فقال من أنت من الملائكة قال أنا ملك الموت قال هل تستطيع أن تريني الصورة التي تقبض فيها روح المؤمن قال نعم فأعرض عني فأعرض ثم التفت فإذا هو بشاب فذكر من حسن وجهه وحسن ثيابه وطيب ريحه فقال يا ملك الموت لو لم يلق المؤمن عند الموت إلا صورتك كان حسبه ومنها مشاهدة الملكين الحافظين قال وهيب بلغنا أنه ما من ميت يموت حتى يتراءى له ملكاه الكاتبان عمله فإن كان مطيعا قالا له جزاك الله عنا خيرا فرب مجلس صدق أجلستنا وعمل صالح أحضرتنا وإن كان فاجرا قالا له لا جزاك الله عنا خيرا فرب مجلس سوء أجلستنا وعمل غير صالح أحضرتنا وكلام قبيح أسمعنا فلا جزاك الله عنا خيرا فذلك شخوص بصر الميت إليهما ولا يرجع إلى الدنيا أبدا الداهية الثالثة مشاهدة العصاة مواضعهم من النار وخوفهم قبل المشاهدة فإنهم في حال السكرات قد تخاذلت قواهم واستسلمت للخروج أرواحهم ولن تخرج أرواحهم ما لم يسمعوا نغمة ملك الموت بأحد البشريين إما أبشر يا عدو الله بالنار أو أبشر يا ولي الله بالجنة ومن هذا كان خوف أرباب الألباب وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لن يخرج أحدكم من الدنيا حتى يعلم أين مصيره وحتى يرى مقعده من الجنة أو النار وقال صلى الله عليه وسلم