كتاب الفقر والزهد — بيان فضيلة خصوص الفقراء من الراضين والقانعين والصادقين

الجزء 4، الصفحة 199

من عينى فأصب الدنيا عليك صبا ولقد كانت عائشة رضي الله عنها تفرق مائة ألف درهم في يوم واحد يوجهها إليها معاوية وابن عامر وغيرهما وإن درعها لمرقوع وتقول لها الجارية لو اشتريت لك بدرهم لحما تفطرين عليه وكانت صائمة فقالت لو ذكرتيني لفعلت وكان قد أوصاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن أردت اللحوق بي فعليك بعيش الفقراء وإياك ومجالسة الأغنياء ولا تنزعي درعك حتى ترقعيه وجاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم بعشرة آلاف درهم فأبى عليه أن يقبلها فألح عليه الرجل فقال له إبراهيم أتريد أن أمحو اسمي من ديوان الفقراء بعشرة آلاف درهم لا أفعل ذلك أبدا رضي الله عنه بيان فضيلة خصوص الفقراء من الراضين والقانعين والصادقين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافا وقنع به وقال صلى الله عليه وسلم يا معشر الفقراء أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا فالأول القانع وهذا الراضي ويكاد يشعر هذا بمفهومه أن الحريض لا ثواب له على فقره ولكن العمومات الواردة في فضل الفقر تدل على أن له ثوابا كما سيأتي تحقيقه فلعل المراد بعدم الرضا هو الكراهة لفعل الله في حبس الدنيا عنه ورب راغب في المال لا يخطر بقلبه إنكار على الله تعالى ولا كراهة في فعله فتلك الكراهة هي التي تحبط ثواب الفقر وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن لكل شيء مفتاحا ومفتاح الجنة حب المساكين والفقراء لصبرهم هم جلساء الله تعالى يوم القيامة وروي عن علي كرم الله وجهه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أحب العباد إلى الله تعالى الفقير القانع برزقه الراضي عن الله تعالى وقال صلى الله عليه وسلم اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا وقال ما من أحد غني ولا فقير إلا ود يوم القيامة أنه كان أوتي قوتا في الدنيا وأوحى الله تعالى إلى إسماعيل عليه السلام اطلبني عند المنكسرة قلوبهم قال ومن هم قال الفقراء الصادقون وقال صلى الله عليه وسلم لا أحد أفضل من الفقير إذا كان راضيا وقال صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى يوم القيامة أين صفوتي من خلقي فتقول الملائكة ومن هم يا ربنا فيقول فقراء المسلمين القانعون بعطائى الراضوان بقدرى