كتاب الخوف والرجاء — بيان دواء الرجاء والسبيل الذي يحصل منه حال الرجاء ويغلب

الجزء 4، الصفحة 151

الرجاء إلى الله تعالى إذ ساقهم بسياط الخوف أولا فلما خرج ذلك بهم عن حد الاعتدال إلى إفراط اليأس داواهم بدواء الرجاء وردهم إلى الاعتدال والقصد والآخر لم يكن مناقضا للأول ولكن ذكر في الأول ما رآه سببا للشفاء واقتصر عليه فلما احتاجوا إلى المعالجة بالرجاء ذكر تمام الأمر فعلى الواعظ أن يقتدي بسيد الوعاظ فيتلطف في استعمال أخبار الخوف والرجاء بحسب الحاجة بعد ملاحظة العلل الباطنة وإن لم يراع ذلك كان ما يفسد بوعظه أكثر مما يصلح وفي الخبر لو لم تذنبوا لخلق الله خلقا يذنبون فيغفر لهم وفي لفظ آخر لذهب بكم وجاء بخلق يذنبون فيغفر لهم إنه هو الغفور الرحيم وفي الخبر لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو شر من الذنوب قيل وما هو قال العجب وقال صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لله أرحم بعبده المؤمن من الوالدة الشفيقة بولدها وفي الخبر ليغفرن الله تعالى يوم القيامة مغفرة ما خطرت على قلب أحد حتى إن إبليس ليتطاول لها رجاء أن تصيبه وفي الخبر إن لله تعالى مائة رحمة ادخر منها عنده تسعا وتسعين رحمة وأظهر منها في الدنيا رحمة واحدة فبها يتراحم الخلق فتحن الوالدة على ولدها وتعطف البهيمة على ولدها فإذا كان يوم القيامة ضم هذه الرحمة إلى التسع والتسعين ثم بسطها على جميع خلقه وكل رحمة منها طباق السموات والأرض قال فلا يهلك على الله يومئذ إلا هالك وفي الخبر ما منكم من أحد يدخله عمله الجنة ولا ينجيه من النار قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته وقال عليه أفضل الصلاة والسلام اعملوا وابشروا واعلموا أن أحدا لن ينجيه عمله وقال صلى الله عليه وسلم إني اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي أترونها للمطيعين المتقين بل هي للمتلوثين المخلطين وقال صلى الله عليه وسلم بعثت بالحنيفية السمحة السهلة وقال صلى الله عليه وسلم وعلى كل عبد مصطفى أحب أن يعلم أهل الكتابين أن في ديننا سماحة ويدل على معناه استجابة الله تعالى للمؤمنين في قولهم {ولا تحمل علينا إصرا} وقال تعالى {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} وروى محمد بن الحنفية عن علي رضي الله تعالى عنهما أنه قال لما نزل قوله تعالى {فاصفح الصفح الجميل} قال يا جبريل وما الصفح الجميل قال عليه السلام إذا عفوت عمن ظلمك فلا تعاتبه فقال يا جبريل فالله تعالى أكرم من أن يعاتب من عفا عنه فبكى جبريل وبكى النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الله تعالى