كتاب آفات اللسان

الجزء 3، الصفحة 148

فسلم عليهم فردوا عليه السلام فلما جاوزهم قال رجل منهم إني لأبغض هذا في الله تعالى فقال أهل المجلس لبئس ما قلت والله لننبئنه ثم قالوا يا فلان لرجل منهم قم فأدركه وأخبره بما قال فأدركه رسولهم فأخبره فأتى الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكى له ما قال وسأله أن يدعوه له فدعاه وسأله فقال قد قلت ذلك فقال صلى الله عليه وسلم لم تبغضه فقال أنا جاره وأنا به خابر والله ما رأيته يصلي صلاة قط إلا هذه المكتوبة قال فاسأله يا رسول الله هل رآني أخرتها عن وقتها أو أسأت الوضوء لها أو الركوع أو السجود فيها فسأله فقال لا فقال والله ما رأيته يصوم شهرا قط إلا هذا الشهر الذي يصومه البر والفاجر قال فاسأله يا رسول الله هل رآني قط أفطرت فيه أو نقصت من حقه شيئا فسأله عنه فقال لا فقال والله ما رأيته يعطي سائلا ولا مسكينا قط ولا رأيته ينفق شيئا من ماله في سبيل الله إلا هذه الزكاة التي يؤديها البر والفاجر قال فاسأله يا رسول الله هل رآني نقصت منها أو ماكست فيها طالبها الذي يسألها فسأله فقال لا فقال صلى الله عليه وسلم للرجل قم فلعله خير منك بيان العلاج الذي يمنع اللسان عن الغيبة اعلم أن مساويء الأخلاق كلها إنما تعالج بمعجون العلم والعمل وإنما علاج كل علة بمضادة سببها فلنفحص عن سببها وعلاج كف اللسان عن الغيبة على وجهين أحدهما على الجملة والآخر على التفصيل أما على الجملة فهو أن يعلم تعرضه لسخط الله تعالى بغيبته بهذه الأخبار التي رويناها وأن يعلم أنها محبطة لحسناته يوم القيامة فإنها تنقل حسناته يوم القيامة إلى من اغتابه بدلا عما استباحه من عرضه فإن لم تكن له حسنات نقل إليه من سيئات خصمه وهو مع ذلك متعرض لمقت الله عز وجل ومشبه عنده بآكل الميتة بل العبد يدخل النار بأن تترجح كفة سيئاته على كفة حسناته وربما تنقل إليه سيئة واحدة ممن اغتابه فيحصل بها الرجحان ويدخل بها النار وإنما أقل الدرجات أن تنقص من ثواب أعماله وذلك بعد المخاصمة والمطالبة والسؤال والجواب والحساب قال صلى الله عليه وسلم ما النار في اليبس بأسرع من الغيبة في حسنات العبد وروي أن رجلا قال للحسن بلغني أنك تغتابني فقال ما بلغ من قدرك عندي أني أحكمك في حسناتي فهما آمن العبد بما ورد من الأخبار في الغيبة لم يطلق لسانه بها خوفا من ذلك وينفعه أيضا أن يتدبر في نفسه فإن وجد فيها عيبا اشتغل بعيب نفسه وذكر قوله صلى الله عليه وسلم طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ومهما وجد عيبا فينبغي أن يستحي من أن يترك ذم نفسه ويذم غيره بل ينبغي أن يتحقق أن عجز غيره عن نفسه في التنزه عن ذلك العيب كعجزه وهذا إن كان ذلك عيبا يتعلق بفعله واختياره وإن كان أمرا خلقيا فالذم له ذم للخالق فإن من ذم صنعة فقد ذم صانعها قال رجل لحكيم يا قبيح الوجه قال ما كان خلق وجهي إلي فأحسنه وإذا لم يجد العبد عيبا في نفسه فليشكر الله تعالى ولا يلوثن نفسه بأعظم العيوب فإن ثلب الناس وأكل لحم الميتة من أعظم العيوب بل لو أنصف لعلم أن ظنه بنفسه أنه بريء من كل عيب جهل بنفسه وهو من أعظم العيوب وينفعه أن يعلم أن تألم غيره بغيبته كتألمه بغيبة غيره له فإذا كان لا يرضى لنفسه أن يغتاب فينبغي أن لا يرضى لغيره ما لا يرضاه لنفسه فهذه معالجات جملية