كتاب آفات اللسان

الجزء 3، الصفحة 137

كان كاذبا قرضت شفتاه بمقاريض من نار كلما قرضتا نبتتا وقال مالك بن دينار الصدق والكذب يعتركان في القلب حتى يخرج أحدهما صاحبه وكلم عمر بن عبد العزيز الوليد بن عبد الملك في شيء فقال له كذبت فقال عمر والله ما كذبت منذ علمت أن الكذب يشين صاحبه بيان ما رخص فيه من الكذب اعلم أن الكذب ليس حراما لعينه بل لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره فإن أقل درجاته أن يعتقد المخبر الشيء على خلاف ما هو عليه فيكون جاهلا وقد يتعلق به ضرر غيره ورب جهل فيه منفعة ومصلحة فالكذب محصل لذلك الجهل فيكون مأذونا فيه وربما كان واجبا قال ميمون بن مهران الكذب في بعض المواطن خير من الصدق أرأيت لو أن رجلا سعى خلف إنسان بالسيف ليقتله فدخل دارا فانتهى إليك فقال أرأيت فلانا ما كنت قائلا ألست تقول لم أره وما تصدق به وهذا الكذب واجب فنقول الكلام وسيلة إلى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب فيه حرام وإن أمكن التوصل إليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك القصد مباحا وواجب إن كان المقصود واجبا كما أن عصمة دم المسلم واجبة فمهما كان في الصدق سفك دم أمرىء مسلم قد اختفى من ظالم فالكذب فيه واجب ومهما كان لا يتم مقصود الحرب أو إصلاح ذات البين أن استمالة قلب المجني عليه إلا بكذب فالكذب مباح إلا أنه ينبغي أن يحترز منه ما أمكن لأنه إذا فتح باب الكذب على نفسه فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغنى عنه وإلى ما لا يقتصر على حد الضرورة فيكون الكذب حراما في الأصل إلا لضرورة والذي يدل على الاستثناء ما روي عن أم كلثوم قالت ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث الرجل يقول القول يريد به الإصلاح والرجل يقول القول في الحرب والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها وقالت أيضا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا أو نمى خيرا حديث أسماء بنت يزيد كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب بين رجلين يصلح بينهما أخرجه أحمد بزيادة فيه وهو عند الترمذي مختصرا وحسنه وروي عن أبي كامل قال وقع بين اثنين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلام حتى تصارما فلقيت أحدهما فقلت مالك ولفلان فقد سمعته يحسن عليك الثناء ثم لقيت الآخر فقلت له مثل ذلك حتى اصطلحا ثم قلت أهلكت نفسي وأصلحت بين هذين فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا كاهل أصلح بين الناس أي ولو بالكذب وقال عطاء بن يسار قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم أكذب على أهلي قال لا خير في الكذب قال أعدها وأقول لها قال لا جناح عليك