كتاب رياضة النفس وتهذيب الأخلاق ومعالجة أمراض القلب

الجزء 3، الصفحة 57

شهوة الوقاع لانقطع النسل ولو انعدم الغضب بالكلية لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يهلكه ولهلك ومهما بقي أصل الشهوة فيبقى لا محالة حب المال الذي يوصله إلى الشهوة حتى يحمله ذلك على إمساك المال وليس المطلوب إماطة ذلك بالكلية بل المطلوب ردها إلى الاعتدال الذي هو وسط بين الإفراط والتفريط والمطلوب في صفة الغضب حسن الحمية وذلك بأن يخلو عن التهور وعن الجبن جميعا وبالجملة أن يكون في نفسه قويا ومع قوته منقادا للعقل ولذلك قال الله تعالى أشداء على الكفار رحماء بينهم وصفهم بالشدة وإنما تصدر الشدة عن الغضب ولو بطل الغضب لبطل الجهاد وكيف يقصد قلع الشهوة والغضب بالكلية والأنبياء عليهم السلام لم ينفكوا عن ذلك إذ قال صلى الله عليه وسلم إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر حديث أنه كان يتكلم بين يديه بما يكرهه فيغضب حتى تحمر وجنتاه ولكن لا يقول إلا حقا فكان الغضب لا يخرجه عن الحق أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن الزبير في قصة شراج الحرة فقال لأن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهما من حديث أبي سعيد الخدري وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه ولهما من حديث عائشة وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله ولمسلم ما ينال منه شيء قط فينتقم من صاحبه الحديث حديث خير الأمور أوساطها أخرجه البيهقي في شعب الإيمان من رواية مطرف بن عبد الله معضلا وهذا له سر وتحقيق وهو أن السعادة منوطة بسلامة القلب عن عوارض هذا العالم قال الله تعالى إلا من أتى الله بقلب سليم والبخل من عوارض الدنيا والتبذير أيضا من عوارض الدنيا وشرط القلب أن يكون سليما منهما أي لا يكون ملتفتا إلى المال ولا يكون حريصا على إنفاقه ولا على إمساكه فإن الحريص على الإنفاق مصروف القلب إلى الإنفاق كما أن الحريص على الإمساك مصروف القلب إلى الإمساك فكان كمال القلب أن يصفو عن الوصفين جميعا وإذا لم يكن ذلك في الدنيا طلبنا ما هو الأشبه لعدم الوصفين وأبعد عن الطرفين وهو الوسط فإن الفاتر لا حار ولا بارد بل هو وسط بينهما فكأنه خال عن الوصفين فكذلك السخاء بين التبذير والتقتير والشجاعة بين الجبن التهور والعفة بين الشره والجمود وكذلك سائر الأخلاق فكلا طرفي الأمور ذميم هذا هو المطلوب وهو ممكن نعم يجب على الشيخ المرشد للمريد أن يقبح عنده الغضب رأسا ويذم إمساك المال رأسا ولا يرخص له في شيء منه لأنه لو رخص له في أدنى شيء اتخذ ذلك عذرا في استبقاء بخله وغضبه وظن أنه القدر المرخص فيه فإذا قصد الأصل وبالغ فيه ولم يتيسر له إلا كسر