كتاب آداب العزلة

الجزء 2، الصفحة 242

بهذه الخبائث مثال دمل ممتلىء بالصديد والمدة وقد لا يحس صاحبه بألمه ما لم يتحرك أو يمسه غيره فإن لم يكن له يد تمسه أو عين تبصر صورته ولم يكن من يحركه ربما ظن بنفسه السلامة ولم يشعر بالدمل في نفسه وأعتقد فقده ولكن لو حركة محرك أو إصابة مشرط حجام لانفجر منه الصديد وفار فوران الشيء المختنق إذا حبس عن الإسترسال فكذلك القلب المشحون بالحقد والبخل والحسد والغضب وسائر الأخلاق الذميمة إنما تتفجر منه خبائثه إذا حرك وعن هذا كان السالكون لطريق الآخرة الطالبون لتزكية القلوب يجربون أنفسهم فمن كان يستشعر في نفسه كبرا سعى في إماطته حتى كان بعضهم يحمل قربة ماء على ظهره بين الناس أو حزمة حطب على رأسه ويتردد في الأسواق ليجرب نفسه بذلك فإن غوائل النفس ومكايد الشيطان خفية قل من يتفطن لها ولذلك حكي عن بعضهم أنه قال اعدت صلاة ثلاثين سنة مع أني كنت أصليها في الصف الأول ولكن تخلفت يوما بعذر فما وجدت موضعا في الصف الأول فوقفت في الصف الثاني فوجدت نفسي تستشعر خجلة من نظر الناس إلي وقد سبقت الى الصف الأول فعلمت أن جميع صلواتي التي كنت أصليها كانت مشوبة بالرياء ممزوجة بلذة نظر الناس إلي ورؤيتهم إياي في زمرة السابقين الى الخير فالمخالطة لها فائدة ظاهرة عظيمة في استخراج الخبائث وإظهارها ولذلك قيل السفر يسفر عن الأخلاق فإنه نوع من المخالطة الدائمة وستأتي غوائل هذه المعاني ودقائقها في ربع المهلكات فإن بالجهل بها يحبط العمل الكثير وبالعلم بها يزكو العمل القليل ولولا ذلك ما فضل العلم على العمل إذ يستحيل أن يكون العلم بالصلاة ولا يراد للصلاة إلا أفضل من الصلاة فإنا نعلم أن ما يراد لغيره فإن ذلك الغير أشرف منه وقد قضى الشرع بتفضيل العالم على العابد حتى قال صلى الله عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي فمعنى تفضيل العلم يرجع إلى ثلاثة أوجه أحدها ما ذكرناه والثاني عموم النفع لتعدى فائدته والعمل لا تتعدى فائدته والثالث أن يراد به العلم بالله وصفاته وأفعاله فذلك أفضل من كل عمل بل مقصود الأعمال صرف القلوب عن الخلق الى الخالق لتنبعث بعد الإنصراف اليه لمعرفته ومحبته فالعمل وعلم العمل مرادان لهذا العلم وهذا العلم غاية المريدين والعمل كالشرط له وإليه الإشارة بقوله تعالى {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} فالكلم الطيب هو هذا العلم والعمل كالحمال الرافع له الى مقصده فيكون المرفوع أفضل من الرافع وهذا كلام معترض لا يليق بهذا الكلام فلنرجع الى المقصود فنقول إذا عرفت فوائد العزلة وغوائلها تحققت أن الحكم عليها مطلقا بالتفضيل نفيا وإثباتا خطأ بل ينبغي أن ينظر الى الشخص وحاله والى الخليط وحاله والى الباعث على مخالطته والى الفائت بسبب مخالطته من هذه الفوائد المذكورة ويقاس الفائت بالحاصل فعند ذلك يتبين الحق ويتضح الأفضل وكلام الشافعي رحمه الله هو فصل الخطاب إذ قال يا يونس الإنقباض عن الناس مكسبة للعداوة والإنبساط اليهم مجلبة لقرناء السوء فكن بين المنقبض والمنبسط فلذلك يجب الاعتدال في المخالطة والعزلة ويختلف ذلك بالأحوال وبملاحظة الفوائد والآفات يتبين الأفضل هذا هو الحق الصراح وكل ما ذكر سوى هذا فهو قاصر وإنما هو إخبار كل واحد عن حالة خاصة هو فيها ولا يجوز أن يحكم بها على غيره والمخالف له في الحال والفرق بين العالم والصوفي في ظاهر العلم يرجع الى هذا وهو أن الصوفي لا يتكلم إلا عن حاله فلا جرم تختلف اجوبتهم في المسائل والعالم هو الذي يدرك الحق على ما هو عليه ولا ينظر الى حال نفسه فيكشف الحق فيه وذلك مما لا يختلف فيه فإن الحق واحد أبداوالقاصر عن الحق كثير لا يحصى ولذلك سئل الصوفية عن الفقر فما من واحد إلا وأجاب بجواب غير جواب الآخر وكل ذلك حق