كتاب آداب العزلة

الجزء 2، الصفحة 233

المعيشة والمخالطة ثم لا ينال المعيشة إلا بمعصية الله تعالى ولست أقول هذا أو أن ذلك الزمان فلقد كان هذا بإعصار قبل هذا العصر ولأجله قال سفيان والله لقد حلت العزلة وقال ابن مسعود رضي الله عنه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الفتنة وأيام الهرج قلت وما الهرج قال حين لا يأمن الرجل جليسه قلت فبم تأمرني إن أدركت ذلك الزمان قال كف نفسك ويدك وادخل دارك قال قلت يا رسول الله أرأيت إن دخل على داري قال فادخل بيتك قلت فإن دخل على بيتي قال فادخل مسجدك واصنع هكذا وقبض على الكوع وقل ربي الله حتى تموت وقال سعد لما دعي الى الخروج أيام معاوية لا إلا أن تعطوني سيفا له عينان بصيرتان ولسان ينطق بالكافر فأقتله وبالمؤمن فأكف عنه وقال مثلنا ومثلكم كمثل قوم كانوا على محجة بيضاء فبينما هم كذلك يسيرون إذ هاجت ريح عجاجة فضلوا الطريق فالتبس عليهم فقال بعضهم الطريق ذات اليمين فأخذوا فيها فتاهوا وضلوا وقال بعضهم ذات الشمال فأخذوا فيها فتاهوا وضلوا وأناخ آخرون وتوقفوا حتى ذهبت الريح وتبينت الطريق فسافروا فاعتزل سعد وجماعة معه فارقوا الفتن ولم يخالطوا إلا بعد زوال الفتن وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه لما بلغه أن الحسين رضي الله عنه توجه الى العراق تبعه فلحقه على مسيرة ثلاثة أيام فقال له أين تريد فقال العراق فإذا معه طوامير وكتب فقال هذه كتبهم وبيعتهم فقال لا تنظر الى كتبهم ولا تأتهم فأبى فقال إني أحدثك حديثا جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة على الدنيا وإنك بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لا يليها أحد منكم أبدا وما صرفها عنكم إلا للذي هو خير لكم فأبى أن يرجع فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال استودعك الله من قتيل أو أسير وكان في الصحابة عشرة آلاف فما خف أيام الفتنة أكثر من أربعين رجلا وجلس طاوس في بيته فقيل له في ذلك فقال فساد الزمان وحيف الأئمة ولما بنى عروة قصره بالعقيق ولزمه قيل له لزمت القصر وتركت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رأيت مساجدكم لاهية وأسواقكم لاغية والفاحشة في فجاجكم عالية وفيما هناك عما أنتم فيه عافية فإذن الحذر من الخصومات ومثارات الفتن إحدى فوائد العزلة الفائدة الرابعة الخلاص من شر الناس فإنهم يؤذونك مرة بالغيبة ومرة بسوء الظن والتهمة بالاقتراحات والأطماع الكاذبة التي يعسر الوفاء بها وتارة بالنميمة أو الكذب فربما يرون منك من الأعمال أو الأقوال ما لا تبلغ عقولهم كنهه فيتخذون ذلك ذخيرة عندهم يدخرونها لوقت تظهر فرصة للشر فإذا اعتزلتهم استغنيت من التحفظ عن جميع ذلك ولذلك قال بعض الحكماء لغيره أعلمك بيتين خير من عشرة آلاف درهم ما هما قال اخفض الصوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنهار قبل المقال ليس للقول رجعة حين يبدو ... بقبيح يكون أو بجمال ولا شك أن من اختلط بالناس وشاركهم في أعمالهم لا ينفك من حاسد وعدو يسيء الظن به ويتوهم أنه يستعد