كتاب آداب الألفة والأخوة والصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق

الجزء 2، الصفحة 190

وإلا فالمساجد أروح لقلوب المتعبدين فإذا فعل هذه الخمس فقد تم الإخاء وارتفعت الحشمة وتأكد الانبساط وقول العرب في تسليمهم يشير إلى ذلك إذ يقول أحدهم لصاحبه مرحبا وأهلا وسهلا أي لك عندنا مرحب وهو السعة في القلب والمكان ولك عندنا أهل تأنس بهم بلا وحشة لك منا ولك عندنا سهولة في ذلك كله أي لا يشتد علينا مما تريد ولا يتم التخفيف وترك التكلف إلا بأن يرى نفسه دون إخوانه ويحسن الظن بهم ويسيء الظن بنفسه فإذا رآهم خيرا من نفسه فعند ذلك يكون هو خيرا منهم وقال أبو معاوية الأسود إخواني كلهم خير مني قيل وكيف ذلك قال كلهم يرى لي الفضل عليه ومن فضلني على نفسه فهو خير مني وقد قال صلى الله عليه وسلم المرء على دين خليله ولا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له فهذه أقل الدرجات وهو النظر بعين المساواة والكمال في رؤية الفضل للأخ ولذلك قال سفيان إذا قيل لك ياشر الناس فغضبت فأنت شر الناس أي ينبغي أن تكون معتقدا ذلك في نفسك أبدا وسيأتي وجه ذلك في كتاب الكبر والعجب وقد قيل في معنى التواضع ورؤية الفضل للإخوان أبيات تذلل لمن إن تذللت له ... يرى ذاك للفضل لا للبله وجانب صداقة من لا يزا ... ل على الأصدقاء يرى الفضل له وقال آخر كم صديق عرفته بصديق ... صار أحظى من الصديق العتيق ورفيق رأيته في طريق ... صار عندي هو الصديق الحقيقي ومهما رأى الفضل لنفسه فقد احتقر أخاه وهذا في عموم المسلمين مذموم قال صلى الله عليه وسلم بحسب المؤمن من الشر أن يحقر أخاه المسلم ومن تتمة الانبساط وترك التكلف أن يشاور إخوانه في كل ما يقصده ويقبل إشاراتهم فقد قال تعالى وشاورهم في الأمر وينبغي أن لا يخفي عنهم شيئا من أسراره كما روي أن يعقوب ابن أخي معروف قال جاء أسود بن سالم إلى عمي معروف وكان مواخيا له فقال إن بشر بن الحرث يحب مؤاخاتك وهو يستحي أن يشافهك بذلك وقد أرسلني إليك يسألك أن تعقد له فيما بينك وبينه أخوة يحتسبها ويعتد بها إلا أنه يشترط فيها شروطا لا يحب أن يشتهر بذلك ولا يكون بينك وبينه مزاورة ولا ملاقاة فإنه يكره كثرة الالتقاء فقال معروف أما أنا لو آخيت أحدا لم أحب مفارقته ليلا ولا نهارا ولزرته في كل وقت وآثرته على نفسي في كل حال ثم ذكر من فضل الأخوة والحب في الله أحاديث كثيرة ثم قال فيها وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فشاركه في العلم وقاسمه في البدن وأنكحه أفضل بناته وأحبهن إليه وخصه بذلك لمؤاخاته وأنا