كتاب آداب الألفة والأخوة والصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق

الجزء 2، الصفحة 187

هدية لك من عند أخيك فلان من عند قريبك فلان قال فيفرح بذلك كما يفرح الحي بالهدية الحق السابع الوفاء والإخلاص ومعنى الوفاء الثبات على الحب وإدامته إلى الموت معه وبعد الموت مع أولاده وأصدقائه فإن الحب إنما يراد للآخرة فإن انقطع قبل الموت حبط العمل وضاع السعي ولذلك قال عليه السلام في السبعة الذين يظلهم الله في ظله ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه وقال بعضهم قليل الوفاء بعد الوفاء خير من كثيره في حال الحياة ولذلك روي أنه صلى الله عليه وسلم أكرم عجوزا دخلت عليه فقيل له في ذلك فقال إنها كانت تأتينا أيام خديجة وإن كرم العهد من الدين فمن الوفاة للأخ مراعاة جميع أصدقائه وأقاربه والمتعلقين به ومراعاتهم أوقع في قلب الصديق من مراعاة الأخ في نفسه فإن فرحه بتفقد من يتعلق به أكثر إذ لا يدل على قوة الشفقة والحب إلا تعديهما من المحبوب إلى كل من يتعلق به حتى الكلب الذي على باب داره ينبغي أن يميز في القلب عن سائر الكلاب ومهما انقطع الوفاء بدوام المحبة شمت به الشيطان فإنه لا يحسد متعاونين على بركما يحسد متواخيين في الله ومتحابين فيه فإنه يجهد نفسه لإفساد ما بينهما قال الله تعالى وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم وقال مخبرا عن يوسف من بعد إن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ويقال ما تواخى اثنان في الله فتفرق بينهما إلا بذنب يرتكبه أحدهما وكان بشر يقول إذا قصر العبد في طاعة الله سلبه الله من يؤنسه وذلك لأن الإخوان مسلاة للهموم وعون على الدين ولذلك قال ابن المبارك ألذ الأشياء مجالسة الإخوان والانقلاب إلى كفاية والمودة الدائمة هي التي تكون في الله وما يكون لغرض يزول بزوال ذلك الغرض ومن ثمرات المودة في الله أن لا تكون مع حسد في دين ودنيا وكيف يحسده وكل ما هو لأخيه فإليه ترجع فائدته وبه وصف الله تعالى المحبين في الله تعالى فقال ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ووجود الحاجة هو الحسد ومن الوفاء أن لا يتغير حاله في التواضع مع أخيه وإن ارتفع شأنه واتسعت ولايته وعظم جاهه فالترفع على الإخوان بما يتجدد من الأحوال لؤم قال الشاعر إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن وأوصى بعض السلف ابنه فقال يا بني لا تصحب من الناس إلا من إذا افتقرت إليه قرب منك وإن استغنيت عنه لم يطمع فيك وإن علت مرتبته لم يرتفع عليك وقال بعض الحكماء إذا ولي أخوك ولاية فثبت على نصف مودته لك فهو كثير وحكى الربيع أن الشافعي رحمه الله آخى رجلا ببغداد ثم إن أخاه ولى السيبين فتغير له عما كان عليه فكتب إليه الشافعي بهذه الأبيات اذهب فودك من فؤادي طالق ... أبدا وليس طلاق ذات البين فإن ارعويت فإنها تطليقة ... ويدوم ودك لي على ثنتين وإن امتنعت شفعتها بمثالها ... فتكون تطليقين في حيضين وإذا الثلاث أتتك مني بتة ... لم تغن عنك ولاية السيبين