كتاب المراقبة والمحاسبة — المقام الأول من المرابطة: المشارطة

الجزء 4، الصفحة 482

أخاف أني أتيت شيئا حسبته هينا وهو عند الله عظيم ولما حضرت عامر بن عبد القيس الوفاة بكى فقيل له ما يبكيك قال ما أبكى جزعا من الموت ولا حرصا على الدنيا ولكن ابكي على ما يفوتني من ظمأ الهواجر وعلى قيام الليل في الشتاء ولما حضرت فضيلا الوفاة غشي عليه ثم فتح عينيه وقال وابعد سفراه واقلة زاده ولما حضرت ابن المبارك الوفاة قال لنصر مولاه اجعل رأسي على التراب فبكى نصر فقال له ما يبكيك قال ذكرت ما كنت فيه من النعيم وأنت هو ذا تموت فقيرا غريبا قال اسكت فإني سألت الله تعالى أن يحييني حياة الأغنياء وأن يميتني موت الفقراء ثم قال له لقنى ولا تعد علي ما لم أتكلم بكلام ثان وقال عطاء بن يسار تبدى إبليس لرجل عند الموت فقال له نجوت فقال ما آمنك بعد وبكى بعضهم عند الموت فقيل له ما يبكيك آية في كتاب الله تعالى قوله عز وجل {إنما يتقبل الله من المتقين} ودخل الحسن رضي الله عنه على رجل يجود بنفسه فقال إن أمرا هذا أوله لجدير أن يتقي آخره وإن أمرا هذا آخره لجدير أن يزهد في أوله وقال الجريري كنت عند الجنيد في حال نزعه وكان يوم الجمعة ويوم النيروز وهو يقرأ القرآن فختم فقلت له في الحالة يا أبا القاسم فقال ومن أولى بذلك مني وهو ذا تطوى صحيفتى وقال رويم حضرت وفاة أبي سعيد الخراز وهو يقول حنين قلوب العارفين إلى الذكر ... وتذكارهم وقت المناجاة للسر أديرت كؤوس للمنايا عليهم ... فأغفوا عن الدنيا كإغفاء ذي الشكر همومهم جوالة بمعسكر ... به أهل ود الله كالأنجم الزهر فأجسامهم في الأرض قتلى بحبه ... وأرواحهم في الحجب نحو العلا تسري فما عرسوا إلا بقرب حبيبهم ... وما عرجوا من مس بؤس ولا ضر وقيل للجنيد إن أبا سعيد الخزاز كان كثير التواجد عند الموت فقال لم يكن بعجب أن تطير روحه اشتياقا وقيل لذي النون عند موته ما تشتهي قال أن أعرفه قبل موتي بلحظة وقيل لبعضهم وهو في النزع قل الله فقال إلى متى تقولون الله وأنا محترق بالله وقال بعضهم كنت عند ممشاد الدينوري فقدم فقيرا وقال السلام عليكم هل هنا موضع نظيف يمكن الإنسان أن يموت فيه قال فأشاروا إليه بمكان وكان ثم عين ماء فجدد الفقير الوضوء وركع ما شاء الله ومضى إلى ذلك المكان ومد رجليه ومات وكان أبو عباس الدينوري يتكلم في مجلسه فصاحت امرأة تواجدا فقال لها موتى فقامت المرأة فلما بلغت الدار التفتت إليه وقالت قد مت ووقعت ميتة ويحكى عن فاطمة أخت أبي علي الروذباري قالت لما قرب أجل أبي علي الروذباري وكان رأسه في حجري فتح عينيه وقال هذه أبواب السماء قد فتحت وهذه الجنان قد زينت وهذا قائل يقول يا أبا علي قد بلغناك الرتبة القصوى وإن لم تردها ثم أنشا يقول وحقك لا نظرت إلى سواكا ... بعين مودة حتى أراكا أراك معذبي بفتور لحظ ... وبالخد المورد من حياكا وقيل للجنيد قل لا إله إلا الله فقال ما نسيته فأذكره وسأل جعفر بن نصير بكران أن الدينوري خادم الشبلي ما الذي رأيت منه فقال قال على درهم مظلمة وتصدقت عن صاحبه بألوف فما على قلبي شغل أعظم منه ثم