كتاب النية والإخلاص والصدق — بيان حكم العمل المشوب واستحقاق الثواب به

الجزء 4، الصفحة 385

فلم يكن له ولا عليه وإن كان الفعل مما يقربه شبرين والآخر يبعده شبرا واحدا فضل له لا محالة شبر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أتبع السيئة الحسنة تمحها فإذا كان الرياء المحض يمحوه الإخلاص المحض عقيبه فإذا اجتمعا جميعا فلا بد وأن يتدافعا بالضرورة ويشهد لهذا إجماع الأمة على أن من خرج حاجا ومعه تجارة صح حجه وأثيب عليه وقد امتزج به حظ من حظوظ النفس نعم يمكن أن يقال إنما يثاب على أعمال الحج عند انتهائه إلى مكة وتجارته غير موقوفة عليه فهو خالص وإنما المشترك طول المسافة ولا ثواب فيه مهما قصد التجارة ولكن الصواب أن يقال مهما كان الحج هو المحرك الأصلي وكان غرض التجارة كالمعين والتابع فلا ينفك نفس السفر عن ثواب ما وعندي أن الغزاة لا يدركون في أنفسهم تفرقة بين غزو الكفار في جهة تكثر فيها الغنائم وبين جهة لا غنيمة فيها ويبعد أن يقال إدراك هذه التفرقة يحبط بالكلية ثواب جهادهم بل العدل أن يقال إذا كان الباعث الأصلي والمزعج القوي هو إعلاء كلمة الله تعالى وإنما الرغبة في الغنيمة على سبيل التبعية فلا يحبط به الثواب نعم لا يساوي ثوابه ثواب من لا يلتفت قلبه إلى الغنيمة أصلا فإن هذا الالتفات نقصان لا محالة فإن قلت فالآيات والأخبار تدل على أن شوب الرياء محبط للثواب وفي معناه شوب طلب الغنيمة والتجارة وسائر الحظوظ فقد روى طاوس وغيره من التابعين أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عمن يصطنع المعروف أو قال يتصدق فيحب أن يحمد ويؤجر فلم يدر ما يقول له حتى نزلت {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} وقد قصد الأجر والحمد جميعا وروى معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أدنى الرياء شرك وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم يقال لمن أشرك في عمله خذ أجرك ممن عملت له وروي عن عبادة إن الله عز وجل يقول أنا أغنى الأغنياء عن الشركة من عمل لي عملا فأشرك معي غيري ودعت نصيبي لشريكي وروى أبو موسى أن أعرابيا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله الرجل يقاتل حمية والرجل يقاتل شجاعة والرجل يقاتل ليرى مكانه فأيهم في سبيل الله فقال صلى الله عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله وقال عمر رضي الله عنه تقولون فلان شهيد ولعله أن يكون قد ملأ دفتي راحلته ورقا وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هاجر يبتغي شيئا من الدنيا فهو له فنقول هذه الأحاديث لا تناقض ما ذكرناه بل المراد بها من لم يرد بذلك إلا الدنيا كقوله من هاجر يبتغي شيئا من الدنيا وكان ذلك هو الأغلب على همه وقد ذكرنا أن ذلك عصيان وعدوان لا لأن طلب الدنيا حرام ولكن طلبها بأعمال الدين حرام لما فيه من الرياء وتغيير العبادة عن موضعها وأما لفظ الشركة حيث ورد فمطلق للتساوي وقد بينا أنه إذا تساوى القصدان تقاوما ولم يكن له