كتاب النية والإخلاص والصدق — بيان أقاويل الشيوخ في الإخلاص

الجزء 4، الصفحة 382

الخلق بدوام النظر إلى الخالق فقط وهذا إشارة إلى آفة الرياء فقط ولذلك قال بعضهم الإخلاص في العمل أن لا يطلع عليه شيطان فيفسده ولا ملك فيكتبه فإنه إشارة إلى مجرد الإخفاء وقد قيل الإخلاص ما استتر عن الخلق وصفا عن العلائق وهذا أجمع للمقاصد وقال المحاسبي الإخلاص هو إخراج الخلق عن معاملة الرب وهذا إشارة إلى مجرد نفي الرياء وكذلك قول الخواص من شرب من كأس الرياسة فقد خرج عن إخلاص العبودية وقال الحواريون لعيسى عليه السلام ما الخالص من الأعمال فقال الذي يعمل لله تعالى لا يحب أن يحمده عليه أحد وهذا أيضا تعرض لترك الرياء وإنما خصه بالذكر لأنه أقوى الأسباب المشوشة للإخلاص وقال الجنيد الإخلاص تصفية العمل من الكدورات وقال الفضيل ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما وقيل الإخلاص دوام المراقبة ونسيان الحظوظ كلها وهذا هو البيان الكامل والأقاويل في هذا كثيرة ولا فائدة في تكثير النقل بعد انكشاف الحقيقة وإنما البيان الشافي بيان سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم إذ سئل عن الإخلاص فقال أن تقول ربي الله ثم تستقيم كما أمرت أي لا تعبد هواك ونفسك ولا تعبد إلا ربك وتستقيم في عبادته كما أمرت وهذا إشارة إلى قطع ما سوى الله عن مجرى النظر وهو الإخلاص حقا بيان درجات الشوائب والآفات المكدرة للإخلاص اعلم أن الآفات المشوشة للإخلاص بعضها جلي وبعضها خفي وبعضها ضعيف مع الجلاء وبعضها قوي مع الخفاء ولا يفهم اختلاف درجاتها في الخفاء والجلاء إلا بمثال وأظهر مشوشات الإخلاص الرياء فلنذكر منه مثالا فنقول الشيطان يدخل الآفة على المصلي مهما كان مخلصا في صلاته ثم نظر إليه جماعة أو دخل عليه داخل فيقول له حسن صلاتك حتى ينظر إليك هذا الحاضر بعين الوقار والصلاح ولا يزدريك ولا يغتابك فتخشع جوارحه وتسكن أطرافه وتحسن صلاته وهذا هو الرياء الظاهر ولا يخفى ذلك على المبتدئين من المريدين الدرجة الثانية يكون المريد قد فهم هذه الآفة وأخذ منها حذره فصار لا يطيع الشيطان فيها ولا يلتفت إليه ويستمر في صلاته كما كان فيأتيه في معرض الخير ويقول أنت متبوع ومقتدى بك ومنظور إليك وما تفعله يؤثر عنك ويتأسى بك غيرك فيكون لك ثواب أعمالهم إن أحسنت وعليك الوزر إن أسأت فأحسن عملك بين يديه فعساه يقتدي بك في الخشوع وتحسين العبادة وهذا أغمض من الأول وقد ينخدع به من لا ينخدع بالأول وهو أيضا عين الرياء ومبطل للإخلاص فإنه إن كان يرى الخشوع وحسن العبادة خيرا لا يرضى لغيره تركه فلم لم يرتض لنفسه ذلك في الخلوة ولا يمكن أن تكون نفس غيره أعز عليه من نفسه فهذا محض التلبيس بل المقتدي به هو الذى استقام في نفسه واستنار قلبه فانتشر نوره إلى غيره فيكون له ثواب عليه