كتاب النية والإخلاص والصدق — بيان سر قوله صلى الله عليه وسلم نية المؤمن خير من عمله

الجزء 4، الصفحة 366

فيقضيها لفقره وقرابته وعلم أنه لولا فقره لكان يقضيها بمجرد القرابة وأنه لولا قرابته لكان يقضيها بمجرد القرابة وأنه لولا قرابته لكان يقضيها بمجرد الفقر وعلم ذلك من نفسه بأنه يحضره قريب غني فيرغب في قضاء حاجته وفقير أجنبي فيرغب أيضا فيه وكذلك من أمره الطبيب بترك الطعام ودخل عليه يوم عرفة فصام وهو يعلم أنه لو لم يكن يوم عرفة لكان يترك الطعام حمية ولولا الحمية لكان يتركه لأجل أنه يوم عرفة وقد اجتمعا جميعا فأقدم على الفعل وكان الباعث الثاني رفيق الأول فلنسم هذا مرافقة للبواعث والثالث أن لا يستقل كل واحد لو انفرد ولكل قوى مجموعهما على إنهاض القدرة ومثاله في المحسوس أن يتعاون ضعيفان على حمل مالا ينفرد أحدهما به ومثاله في غرضنا أن يقصده قريبه الغني فيطلب درهما فلا يعطيه ويقصده الأجنبي الفقير فيطلب درهما فلا يعطيه ثم يقصده القريب الفقير فيعطيه فيكون انبعاث داعيته المجموع الباعثين وهو القرابة والفقر وكذلك الرجل يتصدق بين يدي الناس لغرض الثواب ولغرض الثناء ويكون بحيث لو كان منفردا لكان لا يبعثه مجرد قصد الثواب على العطاء ولو كان الطالب فاسقا لا ثواب في التصدق عليه لكان لا يبعثه مجرد الرياء على العطاء ولو اجتمعا أورثا بمجموعهما تحريك القلب ولنسم هذا الجنس مشاركة والرابع أن يكون أحد الباعثين مستقلا لو انفرد بنفسه والثاني لا يستقل ولكن لما انضاف إليه لم ينفك عن تأثير بالإعانة والتسهيل ومثاله في المحسوس أن يعاون الضعيف الرجل القوي على الحمل ولو انفرد القوي لاستقل ولو انفرد الضعيف لم يستقل فإن ذلك بالجملة يسهل العمل ويؤثر في تخفيفه ومثاله في غرضنا أن يكون للإنسان ورد في الصلاة وعادة في الصدقات فاتفق أن حضر في وقتها جماعة من الناس فصار الفعل أخف علة بسبب مشاهدتهم وعلم من نفسه أنه لو كان منفردا خاليا لم يفتر عن عمله وعلم أن عمله لو لم يكن طاعة لم يكن مجرد الرياء يحمله عليه فهو شوب تطرق إلى النية ولنسم هذا الجنس المعاونة فالباعث الثانى إما أن يكون رفيقا أو شريكا أو معينا وسنذكر حكمها في باب الإخلاص والغرض الآن بيان أقسام النيات فإن العمل تابع للباعث عليه فيكتسب الحكم منه ولذلك قيل إنما الأعمال بالنيات لأنها تابعة لا حكم لها في نفسها وإنما الحكم للمتبوع بيان سر قوله صلى الله عليه وسلم نية المؤمن خير من عمله اعلم أنه قد يظن أن سبب هذا الترجيح أن النية سر لا يطلع عليه إلا الله تعالى والعمل ظاهر ولعمل السر فضل وهذا صحيح ولكن ليس هو المراد لأنه لو نوى أن يذكر الله بقلبه أو يتفكر في مصالح المسلمين فيقتضي عموم الحديث أن تكون نية التفكر خيرا من التفكر وقد يظن أن سبب الترجيح أن النية تدوم إلى آخر العمل والأعمال لا تدوم وهو ضعيف لأن ذلك يرجع معناه إلى أن العمل الكثير خير من القليل بل ليس كذلك فإن نية أعمال الصلاة قد لا تدوم إلا في لحظات معدودة والأعمال تدوم والعموم يقتضي أن تكون نيته خيرا من عمله وقد يقال إن معناه أن النية بمجردها خير من العمل بمجرده دون النية وهو كذلك ولكنه بعيد أن يكون هو المراد إذ العمل بلا نية أو على الغفلة لا خير فيه أصلا والنية بمجردها خير وظاهر الترجيح للمشتركين في أصل الخير بل المعنى أن كل طاعة تنتظم بنية وعمل وكانت النية من جملة الخيرات وكان العمل من جملة الخيرات ولكن النية من جملة الطاعة خير من العمل أي لكل واحد منهما أثر في المقصود وأثر النية أكثر من أثر العمل