كتاب المحبة والشوق والأنس والرضا — بيان جملة من حكايات المحبين وأقوالهم ومكاشفاتهم

الجزء 4، الصفحة 357

كثيرة ومقدورات الله تعالى لا نهاية لها وفضله على عباده الذين اصطفى لا غاية له ولذلك كان أبو يزيد يقول إن أعطاك مناجاة موسى وروحانية عيسى وخلة إبراهيم فاطلب ما وراء ذلك فإن عنده فوق ذلك أضعافا مضاعفة فإن سكنت إلى ذلك حجبك به وهذا بلاء مثلهم ومن هو في مثل حالهم لأنهم الأمثل فالأمثل وقد قال بعض العارفين كوشفت بأربعين حوراء رأيتهن يتساعين في الهواء عليهن ثياب من ذهب وفضة وجوهر يتخشخش ويتثنى معهن فنظرت إليهن نظرة فعوقبت أربعين يوما ثم كوشفت بعد ذلك بثمانين حوراء فوقهن في الحسن والجمال وقيل لي انظر إليهن قال فسجدت وغمضت عيني في سجودي لئلا أنظر إليهن وقلت أعوذ بك مما سواك لا حاجة لي بهذا فلم أزل أتضرع حتى صرفهن الله عني فأمثال هذه المكاشفات لا ينبغي أن ينكرها المؤمن لإفلاسه عن مثلها فلو لم يؤمن كل واحد إلا بما يشاهده من نفسه المظلمة وقلبه القاسي لضاق مجال الإيمان عليه بل هذه أحوال تظهر بعد مجاوزة عقبات ونيل مقامات كثيرة أدناها الإخلاص وإخراج حظوظ النفس وملاحظة الخلق عن جميع الأعمال ظاهرا وباطنا ثم مكاتمة ذلك عن الخلق بستر الحال حتى يبقى متحصنا بحصن الخمول فهذه أوائل سلوكهم وأقل مقاماتهم وهي أعز موجود في الأتقياء من الناس وبعد تصفية القلب عن كورة الالتفات إلى الخلق يفيض عليه نور اليقين وينكشف له مبادي الحق وإنكار ذلك دون التجربة وسلوك الطريق يجري مجرى إنكار من أنكر إمكان انكشاف الصورة في الحديدة إذا شكلت ونقيت وصقلت وصورت بصورة المرأة فنظر المنكر إلى ما في يده من زبرة حديد مظلم قد استولى عليه الصدأ والخبث وهو لا يحكي صورة من الصور فأنكر إمكان انكشاف المرئي فيها عند ظهور جوهرها وإنكار ذلك غاية الجهل والضلال فهذا حكم كل من أنكر كرامات الأولياء إذ لا مستند له إلا قصوره عن ذلك وقصور من رآه وبئس المستند ذلك في إنكار قدرة الله تعالى بل إنما يشم روائح المكاشفة من سلك شيئا ولو من مبادي الطريق كما قيل لبشر بأي شيء بلغت هذه المنزلة قال كنت أكاتم الله تعالى حالي معناه أسأله أن يكتم على ويخفي أمري وروي أنه رأى الخضر عليه السلام فقال له ادع الله تعالى لي فقال يسر الله عليك طاعته قلت زدني قال وسترها عليك فقيل معناه سترها عن الخلق وقيل معناه سترها عنك حتى لا تلتفت أنت إليها وعن بعضهم أنه قال أقلقني الشوق إلى الخضر عليه السلام فسألت الله تعالى مرة أن يريني إياه ليعلمني شيئا كان أهم الأشياء علي قال فرأيته فما غلب علي همي ولا همتي إلا أن قلت له يا أبا العباس علمني شيئا إذا قلته حجبت عن قلوب الخليقة فلم يكن لي فيها قدر ولا يعرفني أحد بصلاح ولا ديانة فقال قل اللهم أسبل علي كثيف سترك وحط علي سرادقات حجبك واجعلني في مكنون غيبك واحجبني عن قلوب خلقك قال ثم غاب فلم أره ولم أشتق إليه بعد ذلك فما زلت أقول هذه الكلمات في كل يوم فحكي أنه صار بحيث كان يستذل ويمتهن حتى كان أهل الذمة يسخرون منه ويستسخرونه في الطرق يحمل الأشياء لهم لسقوطه عندهم وكان الصبيان يلعبون به فكانت راحته ركود قلبه واستقامة حاله في ذله وخموله فهكذا حال أولياء الله تعالى ففي أمثال هؤلاء ينبغي أن يطلبوا والمغرورون إنما يطلبونهم تحت المرقعات والطيالسة وفي المشهورين بين الخلق بالعلم والورع والرياسة وغيرة الله تعالى على أوليائه تأبى إلا إخفاءهم كما قال تعالى أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري وقال صلى الله عليه وسلم رب أشعث أغبر ذى طمرين لايؤبه له لو أقسم على الله لأبره