كتاب المحبة والشوق والأنس والرضا — بيان أن الفرار من البلاد التي هي مظان المعاصي ومذمتها لا يقدح في الرضا

الجزء 4، الصفحة 354

الشرع فقد قال صلى الله عليه وسلم القدر سر الله فلا تفشوه وذلك يتعلق بعلم المكاشفة وغرضنا الآن بيان الإمكان فيما تعبد به الخلق من الجمع بين الرضا بقضاء الله تعالى ومقت المعاصي مع أنها من قضاء الله تعالى وقد ظهر الغرض من غير حاجة إلى كشف السر فيه وبهذا يعرف أيضا أن الدعاء بالمغفرة والعصمة من المعاصي وسائر الأسباب المعينة على الدين غير مناقض للرضا بقضاء الله تعالى فإن الله تعبد العباد بالدعاء ليستخرج الدعاء منهم صفاء الذكر وخشوع القلب ورقة التضرع ويكون ذلك جلاء للقلب ومفتاحا للكشف وسببا لتواتر مزايا اللطف كما أن حمل الكوز وشرب الماء ليس مناقضا للرضا بقضاء الله تعالى في العطش وشرب الماء طلبا لإزالة العطش مباشرة سبب رتبه مسبب الأسباب فكذلك الدعاء سبب رتبه الله تعالى وأمر به وقد ذكرنا أن التمسك بالأسباب جريا على سنة الله تعالى لا يناقض التوكل واستقصيناه في كتاب التوكل فهو أيضا لا يناقض الرضا لأن الرضا مقام ملاصق للتوكل ويتصل به نعم إظهار البلاء في معرض الشكوى وإنكاره بالقلب على الله تعالى مناقض للرضا وإظهار البلاء على سبيل الشكر والكشف عن قدرة الله تعالى لايناقض وقد قال بعض السلف من حسن الرضا بقضاء الله تعالى أن لا يقول هذا يوم حار أي في معرض الشكاية وذلك في الصيف فأما الشتاء فهو شكر والشكوى تناقض الرضا بكل حال وذم الأطعمة وعيبها يناقض الرضا بقضاء الله تعالى لأن مذمة الصنعة مذمة للصانع والكل من صنع الله تعالى وقول القائل الفقر بلاء ومحنة والعيال هم وتعب والاحتراف كد ومشقة كل ذلك قادح في الرضا بل ينبغي أن يسلم التدبير لمدبره والمملكة لمالكها ويقول ما قاله عمر رضي الله عنه لا أبالي أصبحت غنيا أو فقيرا فإني لا أدري أيهما خير لي بيان أن الفرار من البلاد التي هي مظان المعاصي ومذمتها لا يقدح في الرضا اعلم أن الضعيف قد يظن أن نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخروج من بلد ظهر به الطاعون يدل على النهي عن الخروج من بلد ظهرت فيه المعاصي لأن كل واحد منهما فرار من قضاء الله تعالى وذلك محال بل العلة في النهي عن مفارقة البلد بعد ظهور الطاعون أنه لو فتح هذا الباب لارتحل عنه الأصحاء وبقي فيه المرضى مهملين لا متعهد لهم فيهلكون هزالا وضرا ولذلك شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأخبار بالفرار من الزحف ولو كان ذلك للفرار من القضاء لما أذن لمن قارب البلدة في الانصراف وقد ذكرنا حكم ذلك في كتاب التوكل وإذا عرف المعنى ظهر أن الفرار من البلاد التي هي مظان المعاصي ليس فرارا من القضاء بل من القضاء الفرار مما لا بد من الفرار منه وكذلك مذمة المواضع التي تدعو إلى المعاصي والأسباب التي تدعو إليها لأجل التنفير عن المعصية ليست مذمومة فما زال السلف الصالح يعتادون ذلك حتى اتفق جماعة على ذم بغداد وإظهارهم ذلك وطلب الفرار منها فقال ابن المبارك قد طفت الشرق والغرب فما رأيت بلدا شرا من بغداد قيل وكيف قال هو بلد تزدري فيه نعمة الله وتستصغر فيه معصية الله ولما قدم خراسان قيل له كيف رأيت بغداد قال ما رأيت بها إلا شرطيا غضبان أو تاجرا لهفان أو قارئا حيران ولا ينبغي أن تظن أن ذلك