كتاب المحبة والشوق والأنس والرضا — بيان معنى الانبساط والإدلال الذي تثمره غلبة الأنس

الجزء 4، الصفحة 341

بعد أن قحطوا سبع سنين وخرج موسى عليه السلام ليستسقي لهم في سبعين ألفا فأوحى الله عز وجل إليه كيف أستجيب لهم وقد أظلمت عليهم ذنوبهم سرائرهم خبيثة يدعونني على غير يقين ويأمنون مكري ارجع إلى عبد من عبادي يقال له برخ فقل له يخرج حتى أستجيب له فسأل عنه موسى عليه السلام فلم يعرف فبينما موسى ذات يوم يمشي في طريق إذا بعبد أسود قد استقبله بين عينيه تراب من أثر السجود في شملة قد عقدها على عنقه فعرفه موسى عليه السلام بنور الله عز وجل فسلم عليه وقال له ما اسمك فقال اسمي برخ قال فأنت طلبتنا منذ حين أخرج فاستسق لنا فخرج فقال في كلامه ما هذا من فعالك ولا هذا من حلمك وما الذى بدالك أنقصت عليك عيونك أم عاندت الرياح عن طاعتك أم نفد ما عندك أم اشتد غضبك على المذنبين ألست كنت غفارا قبل خلق الخطائين خلقت الرحمة وأمرت بالعطف أم ترينا أنك ممتنع أم تخشى الفوت فتجعل بالعقوبة قال فما برح حتى اخضلت بنو إسرائيل بالقطر وأنبت الله تعالى العشب في نصف يوم حتى بلغ الركب قال فرجع برخ فاستقبله موسى عليه السلام فقال كيف رأيت حين خاصمت ربى كيف أنصفني فهم موسى عليه السلام به فأوحى الله تعالى إليه إن برخا يضحكني كل يوم ثلاث مرات وعن الحسن قال احترقت أخصاص بالبصرة فبقي في وسطها خص لم يحترق وأبو موسى يومئذ أمير البصرة فأخبر بذلك فبعث إلى صاحب الخص قال فأتي بشيخ فقال يا شيخ ما بال خصك لم يحترق قال إني أقسمت على ربي عز وجل أن لا يحرقه فقال أبو موسى رضي الله عنه إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يكون في أمتي قوم شعثة رءوسهم دنسة ثيابهم لو أقسموا على الله لأبرهم قال ووقع حريق بالبصرة فجاء أبو عبيدة الخواص فجعل يتخطى النار فقال له أمير البصرة انظر لا تحترق بالنار فقال إني أقسمت على ربي عز وجل أن لا يحرقني بالنار قال فاعزم على النار أن تطفأ قال فعزم عليها فطفئت وكان أبو حفص يمشي ذات يوم فاستقبله رستاقي مدهوش فقال له أبو حفص ما أصابك فقال ضل حماري ولا أملك غيره قال فوقف أبو حفص وقال وعزتك لا أخطو خطوة ما لم ترد عليه حماره قال فظهر حماره في الوقت ومر أبو حفص رحمه الله فهذا وأمثاله يجري لذوي الأنس وليس لغيرهم أن يتشبه بهم قال الجنيد رحمه الله أهل الأنس يقولون في كلامهم ومناجاتهم في خلواتهم أشياء هي كفر عند العامة وقال مرة لو سمعها العموم لكفروهم وهم يجدون المزيد في أحوالهم بذلك وذلك يحتمل منهم ويليق بهم وإليه أشار القائل قوم تخالجهم زهو بسيدهم ... والعبد يزهو على مقدار مولاه تاهوا برؤيته عما سواه له ... يا حسن رؤيتهم في عز ما تاهوا ولا تستبعدون رضاه عن العبد بما يغضب به على غيره مهما اختلف مقامهما ففي القرآن تنبيهات على هذه المعاني لو فطنت وفهمت فجميع قصص القرآن تنبيهات لأولي البصائر والأبصار حتى ينظروا إليها بعين الاعتبار فإنما هي عند ذوي الاعتبار من الأسماء فأول القصص قصة آدم عليه السلام وإبليس أما تراهما كيف اشتركا في اسم المعصية والمخالفة ثم تباينا في الاجتباء والعصمة أما إبليس فأبلس عن رحمته وقيل إنه من المبعدين وأما آدم عليه السلام فقيل فيه وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى