كتاب الفقر والزهد — بيان فضيلة الزهد

الجزء 4، الصفحة 224

وقال صلى الله عليه وسلم لرجل ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس وقال صلى الله عليه وسلم من أراد أن يؤتيه الله علما بغير تعلم وهدى بغير هداية فليزهد في الدنيا وقال صلى الله عليه وسلم من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات ومن خاف من النار لها عن الشهوات ومن ترقب الموت ترك اللذات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات ويروى عن نبينا وعن المسيح عليهما السلام أربع لا يدركن إلا بتعب الصمت وهو أول العبادة والتواضع وكثرة الذكر وقلة الشيء وإيراد جميع الأخبار الواردة في مدح بغض الدنيا وذم حبها لا يمكن فإن الأنبياء ما بعثوا إلا لصرف الناس عن الدنيا إلى الآخرة وإليه يرجع أكثر كلامهم مع الخلق وفيما أوردناه كفاية والله المستعان وأما الآثار فقد جاء في الأثر لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن العباد سخط الله عز وجل ما لم يسألوا ما نقص من دنياهم وفي لفظ آخر ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم فإذا فعلوا ذلك وقالوا لا إله إلا الله قال الله تعالى كذبتم لستم بها صادقين وعن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه قال تابعنا الأعمال كلها فلم نر في أمر الآخرة أبلغ من زهد في الدنيا وقال بعض الصحابة لصدر من التابعين أنتم أكثر أعمالا واجتهادا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا خيرا منكم قيل ولم ذلك قال كانوا أزهد في الدنيا منكم وقال عمر رضي الله عنه الزهادة في الدنيا راحة القلب والجسد وقال بلال بن سعد كفى به ذنبا أن الله تعالى يزهدنا في الدنيا ونحن نرغب فيها وقال رجل لسفيان أشتهي أن أرى عالما زاهدا فقال ويحك تلك ضالة لا توجد وقال وهب بن منبه إن للجنة ثمانية أبواب فإذا صار أهل الجنة إليها جعل البوابون يقولون وعزة ربنا لا يدخلها أحد قبل الزاهدين في الدنيا العاشقين للجنة وقال يوسف بن أسباط رحمه الله إني لأشتهي من الله ثلاث خصال أن أموت حين أموت وليس في ملكي درهم ولا يكون علي دين ولا علي عظمي لحم فأعطى ذلك كله وروي أن بعض الخلفاء أرسل إلى الفقهاء بجوائز فقبلوها وأرسل إلى الفضيل بعشرة آلاف فلم يقبلها فقال له بنوه قد قبل الفقهاء وأنت ترد على حالتك هذه فبكى الفضيل وقال أتدرون ما مثلي ومثلكم كمثل قوم كانت لهم بقرة يحرثون عليها فلما هرمت ذبحوها لأجل أن ينتفعوا بجلدها كذلك أنتم أردتم ذبحي على كبر سني موتوا يا أهلي جوعا خير لكم من أن تذبحوا فضيلا وقال عبيد بن عميرة كان المسيح ابن مريم عليه السلام يلبس الشعر ويأكل الشجر وليس له ولد يموت ولا بيت يخرب ولا يدخر لغد أينما أدركه المساء نام وقالت امرأة أبي حازم لأبي هذا الشتاء قد هجم علينا ولا بد لنا من الطعام والثياب والحطب